كيف نختار إجراءات الحظر الأفضل للتصدي لمرض الكورونا الجديد بناء على معياري الصحّة والاقتصاد معاً

يمكن تحميل المقالة على شكل ملف PDF من هنا

مقدمة

منذ بداية جائحة فيروس الكورونا الجديد وحتى اللحظة، تعتمد سياسة التصدي له على قرارات إدارية بفرض الحجر وحظر التجول وغيرها، بناء على دراسات إحصائية ورياضية وبرامج محاكاة حاسوبية لطرق العدوى والانتشار، فيما العلاج الطبي مازال يراوح مكانه. ومع تصريحات رئيس منظمة الصحة العالمية الأخيرة المتشائمة حول إمكانية إيجاد علاج أو حتى لقاح، نستنتج أنه غالباً الوسائل الوحيدة للتصدي للمرض ستبقى هي قط قواعد الصحة العامة والمبنية طبعاً على علوم الكومبيوتر والإحصاء والرياضيات وما نعلمه من معلومات طبية مرتبطة.

منذ أن ظهرت الجائحة في الصين، تم إجراء دراسات إحصائية لمعرفة نسبة الوفيات ونسبة من يحتاجون لعناية مشددة من المصابين ونسبة العدوى وللفئات العمرية والصحية المختلفة، وبناء على هذه الأرقام تم رسم سياسات للحجر والحظر لضمان عدم تخطي الحاجة الصحية لإمكانات القطاع الصحي في كل بلد، لتقديم أفضل ما هو متاح، أي تأمين التنفس الصناعي لكل الحالات ذات الأعراض الشديدة. ولكن للأسف ظهر أن المسألة أعقد من ذلك.

بعد تطبيق الحظر في عدة دول ولعدة أشهر، بدأ الناس يشكون من تردي أوضاعهم الاقتصادية الناتجة عن الحظر، ما دفع بعض الحكومات للتخفيف من إجراءاته، والنتيجة كانت موجة ثانية من المرض، وعادت الدعوات لإجراء حظر متشدد وهكذا، ودخلنا في حلقة مفرغة.

من الواضح أن هذه المسألة، أي رسم سياسة التصدي للمرض، لا تعتمد على معيار واحد هو الصحة، بل على عدة معايير، الصحة والاقتصاد وضمان التعليم.. الخ وهنا يصير للرياضيات ما تقوله من أجل حلها.

المسألة الرياضية

ترد مسألة الاختيارات بين عدة خيارات وبناءً على عدة معايير في الكثير من القطاعات، وغالبا يؤخذ القرار بشكل كيفي أو بناء على أساليب غير علمية.

مثلا تختار شركة بين عدة متقدمين لشغل وظيفة معينة وبناءً على عدة معايير، الشهادة الأكاديمية، الخبرة، روح التعاون.. الخ

أو يتم اختيار ملكة جمال في مسابقة بناء على عدة معايير، جمال الوجه، تناسق الجسم، الذكاء.. الخ

عند أخذ قرار التوظيف مثلاً غالبا يكون الموضوع كيفياً في الشركات الخاصة تبعاً لرغبة مسؤول التوظيف ومدير القسم عارض الوظيفة، وفي المؤسسات الحكومية يتم إجراء اختبار موحد بعد وضع شروط إجبارية.

أما الطريقة المتبعة عادة في المسابقات ذات الصفة الإعلامية الشعبية مثل مسابقات الجمال فإما تكون عبر التصويت الشعبي أو عبر وضع علامات لتحقيق كل متسابق لكل معيار من قبل عدة حكام وجمع العلامات معاً لكل متسابق أو متسابقة، والمتسابق الذي يحقق أكبر علامة يفوز.

واضح أن هذه الطرق اعتباطية لحد كبير، والهدف الأساسي منها عدم فتح المجال للاعتراض وليس اختيار الأفضل بالضرورة، وهي أصلا مسائل ليست مصيرية، لكن مثلاً عند اختيار السياسة الأفضل للحظر بهدف التصدي لمرض الكورونا الجديد يكون الاختيار مصيرياً لشعب كامل!

مقارنة تحقيق معايير مختلفة

عند وجود أكثر من معيار نأخذ قرارنا بناءً عليهم، أول مسألة تصادفنا هي اختلاف المقاييس والواحدات للمعايير المختلفة.

مثلا عند الاختيار بين أساليب مختلفة للبناء، أحد المعايير سيكون بالتأكيد هو الكلفة، ومعيار آخر سيكون ديمومة البناء وفترة صموده دون الحاجة للصيانة أو للهدم. الكلفة تقاس بالعملة أما الديمومة فتقاس بواحدات الزمن، فكيف سنقارن بينهما؟ ولو فرضنا أن تشييد مشروع ما بأسلوب بناء معين كلفته عشرة ملايين وديمومته عشرة سنوات، وتشييده بأسلوب ثانٍ كلفته خمسة ملايين وديمومته أربع سنوات، أيهما نختار؟ واضح أننا نحتاج لتحويل قيم المعايير لمقياس واحد وتبعاً لأهمية هذه المعايير لصاحب القرار.

المنطق الضبابي واستخدامه في عملية أخذ القرار

المنطق الضبابي فرعٌ جديدٌ نسبياً في الرياضيات، وهو يختلف عن المنطق الرياضي التقليدي في أن قيمة الحقيقة لقضية ما قد تكون أية قيمة تتراوح بين الصفر والواحد بينما في المنطق الرياضي التقليدي قيمة الحقيقة هي حصراً إحدى القيمتين، الصفر والواحد.

العوامل المنطقية الشهيرة تُعرّف في المنطق الضبابي على الشكل:

قيمة حقيقة (قضية١ “و” قضية٢) = القيمة الأصغر بين قيمة حقيقة قضية١ وقيمة حقيقة قضية٢

قيمة حقيقة (قضية١ “أو” قضية٢) = القيمة الأكبر بين قيمة حقيقة قضية١ وقيمة حقيقة قضية٢

مثلاً إذا وصلنا إلى أن قيمة حقيقة أن “باسم طويل” في المنطق الضبابي هي ٠,٧ (بين ٠ و١) وقيمة حقيقة أن “فراس طويل” في المنطق الضبابي هي ٠,4، تكون قيمة حقيقة أن “باسم طويل وفراس طويل” هي ٠,4، وقيمة حقيقة أن “باسم طويل أو فراس طويل” هي ٠,٧.

في النفي (العامل “ليس”) نأخذ ١ – قيمة الحقيقة، فحسب مثالنا السابق، قيمة حقيقة أن “باسم ليس طويلاً” أو بصياغة أخرى “باسم قصير” هي ٠,٣ (= 1-0,7).

إذاً في كل عملية اختيار نحول قيم تحقيق الخيار للمعايير المختلفة إلى مقياس يترواح بين ٠ و١، ونقارن بينها بعد إدخالها في معادلة تستعمل العوامل المنطقية في المنطق الضبابي، والخيار الذي يحقق النتيجة الأعلى سيكون خيارنا المفضل.

مثلاً في مثال البناء، نفضل الخيار الذي يحقق:

“ليست” الكلفة مرتفعة “و” الديمومة طويلة

وتكون المعادلة الرياضية:

القيمة الدنيا بين () ا – قيمة حقيقة الكلفة مرتفعة)، قيمة حقيقة الديمومة طويلة) = أفضلية الخيار

وطبعاً بعد تحويل قيم كل واحد من المعايير لمقياس يتراوح بين ٠ و١.

تحويل قيم المعايير إلى المجال [٠،١] (تابع الانتماء)

تحويل قيم المعايير الفيزيائية أو الاقتصادية أو غيرها لقيم تتراوح بين الصفر والواحد ليس أمراً سهلاً، ولا توجد طريقة محددة مقبولة اليوم على نطاق واسع، والطريقة التي ستطرح هنا (تابع الانتماء المحدود من جهة واحدة) جديدة تماماً ولم يسبق أن نشرت إلا ضمن رسالة دكتوراه مؤخراً في جامعة تشرين في اللاذقية حول الاختيار بين أساليب تشييد البناء المختلفة ونالت الرسالة درجة الامتياز.

الطريقة الأكثر اتباعاً عادةً هي وضع حد أقصى لقيمة المعيار تقابله القيمة الضبابية 1 (0 إذا كان معياراً سلبياً)، وحد أدنى تقابله القيمة الضبابية 0 (1 إذا كان معياراً سلبياً)، وأي قيمة بين الحد الأدنى والأقصى تقابله قيمة بين 0 و1 بالتناسب الخطّي، كما في الشكل التالي:

مشكلة هذه الطريقة أنه لمعظم المعايير، الفيزيائية أو المالية أو غيرها، لا يوجد حد أعلى وحد أدنى، وأن نحدد بأنفسنا حداً أعلى وأدنى، بالإضافة لكونه غير مبنيٍّ على أساس علمي منطقي، يحد من حرية الاختيار وبالتالي يحد من فائدة طريقة المقارنة باستخدام المنطق الضبابي.

مثلاً إذا كانت المسألة المطروحة لدي هي اختيار مشروع للاستثمار بين عدة مشاريع، وأحد معايير الاختيار هو رأس المال اللازم للمشروع، وقررت بناء على السيولة الموجودة معي أن الحد الأقصى هو 10 ملايين ليرة، ماذا أفعل إذا لم أجد أي مشروع يكفيه رأس مال أقل من 10 مليون ليرة؟ أو ماذا إذا كانت المشاريع التي يكفيها رأس مال بـ 10 ملايين ربحيتها قليلة أو خاسرة ويوجد مشروع أرباحه المتوقعة عالية جداً ويحتاج لرأس مال قيمته 10,5 مليون؟ بالتأكيد سأختار هذا المشروع الأخير وسأفكر في طريقة لتأمين السيولة الإضافية بأية طريقة، اقتراض أو إدخال شريك.. الخ. وضع حد أقصى مسبقاً سيحرمني من هذا الخيار.

وضع الرياضيون تابعاً لربط قيمة أي معيار ليس له لا حد أقصى ولا حد أدنى بقيمة بين [0،1]، التابع اسمه Sigmoid، صيغته:


ويظهر في الشكل التالي:

ميزات هذا التابع أنّه يحوّل أية قيمة مقاسة x، سالبة أو موجبة، ولو كانت ناقص أو زائد لانهاية إلى قيمة بين 0 و1. في القيم المتوسطة، والتي هي طبعاً أكثر وروداً يأخذ شكل مشابه للتابع الخطّي، ويتميز عن التابع الخطي بأنّه متزايد تماماً لكل القيم من ناقص لانهاية إلى زائد لانهاية، فإذا كانت قيمة مقاسة أ أكبر من قيمة مقاسة ب، فإن قيمة الحقيقة لـ أ حسب هذا التابع أكبر من قيمة الحقيقة لـ ب.

الثابت b يعبر عن القيمة الوسطى التي تكون قيمة الحقيقة لها 0.5، وهي القيمة المعتدلة التي لا تعد لا إيجابية ولا سلبية، الثابت a يعبر عن مدى ميلان الخط المنحني للتابع.

لكن عند دراسة أمثلة واقعية سنجد أن هذا التابع أيضاً لا يلبي الحاجة، ذلك أن معظم المقادير الفيزيائية والمالية وغيرها في العادة يكون لها قيمة دنيا ولكن ليس لها حد أعلى، وأحياناً بالعكس، وفي هذه الحالات لا يفيدنا التابع الخطي الذي فيه حد أعلى وحد أدنى، ولا تابع Sigmoid الذي ليس فيه لا حد أعلى ولا حد أدنى.

وهنا لدينا تابع آخر جديد وهو على الصيغة التالية:

ويظهر في الشكل التالي:

وقد سبق أن ذكرته شخصياً في تدوينة حول المنطق الضبابي من عدة سنوات.

هذا التابع يربط قيمة مقاسة x تتراوح قيمتها بين b واللانهاية بقيمة حقيقة تتراوح بين الصفر والواحد. وهو أيضاً مثل تابع Sigmoid متزايد تماماً، a تمثّل مدى ميلان التابع عند القيم الصغيرة، وهو يقارب التابع الخطي الذي ميله a عند القيم الصغيرة، ويقارب تابع Sigmoid عند القيم الكبيرة كما يظهر في الشكل:

قيم b وa يمكن تحديدها بسهولة، فقيمة b هي القيمة الدنيا للمعيار المقاس، مثلاً بالنسبة لدرجة الحرارة المئوية القيمة الدنيا هي -273,15 (الصفر المطلق)، بالنسبة للطول الفيزيائي القيمة الدنيا هي 0، أما قيمة a يمكن تحديدها من خلال معرفة قيمة حقيقة نقطة على المقياس، وأفضل قيمة يمكننا تحديد نقطتها هي القيمة 0.5، لأنها القيمة المعتدلة التي لا تعتبر لا سلبية ولا إيجابية، ويمكن وصفها بالقيمة الدنيا المقبولة بالنسبة للمعايير الإيجابية (مثل الربحية)، والقيمة العليا المقبولة بالنسبة للمعايير السلبية (مثل الكفة).

مثلاً في حالة القضية “فلان طويل” للرجل البالغ، تكون القيمة الفيزيائية الدنيا هي 0، والقيمة الوسطى المقبولة لنقل إنها 165 سم، عندها وبدون الدخول في الخطوات الرياضية، تصبح صيغة التابع:

وهكذا إذا كان شخص طوله 200 سم، تكون قيمة حقيقة قضية أنه طويل هي:

وهي صيغة بسيطة جداً.

إيجاد الحل لمسألة قواعد الحظر للتصدي لمرض الكورونا الجديد  

للاختيار بين جدوى أساليب الحظر المختلفة للتصدي لمرض الكورونا الجديد، يجب أن نعرف أوّلاً تأثير كل أسلوب على سرعة الانتشار وعلى العامل الاقتصادي لمجتمع ما، الذي يمكن ربطه بالناتج القومي، فكما قلنا الصحة والاقتصاد معياران هامان لا يجوز تجاهل أحدهما، وقد نضيف معايير أخرى أيضاً، مثلاً استمرار التعليم وغيره. سرعة الانتشار هي معيار سلبي طبعاً، فكلما زادت كلما كان ذلك سيئاً، لذلك سترد في معادلة الحقيقة بصيغة النفي “ليست سرعة الانتشار عالية”، وتصير الصيغة ببساطة:

ليست سرعة الانتشار عالية والناتج القومي مرتفع

أي: أفضلية خيار الحظر = القيمة الدنيا بين ((1- سرعة الانتشار الناتجة عن طريقة الحظر) و(الناتج القومي المتوقع الناتج عند تطبيق طريقة الحظر))

يمكن قياس سرعة الانتشار بالعدد الأقصى المتوقع من الحالات ذات الأعراض الشديدة في يوم واحد في ذروة الانتشار، ويمكن تحديد هذا الرقم بناءً على نسبة العدوى والاختلاط في كل أسلوب من أساليب الحظر المختلفة (الفصل بين المناطق، إيقاف التجمعات، فرض الكمامات، أكثر من أسلوب معاً …).

القيمة المقبولة للعد الأقصى اليومي المتوقع من الحالات ذات الأعراض الشديدة هي القدرة الاستيعابية للقطاع الصحي من ناحية غرف العناية المشددة التي تحوي منفسة، ولكن قبلاً يجب ضرب العدد الأقصى المتوقع بالعدد الوسطي لأيّام بقاء المريض الذي يعاني من أعراض شديدة في العناية المشددة، ويبلغ هذا الرقم تقريباً 10، وهو رقم عالٍ ومؤثّرٌ جداً للأسف، فلو كان يبقى المريض فقط يوم واحد بالمتوسط، سواء توفي بعد ذلك أم شفي، سنحتاج إلى عشر القدرة الصحية للتعامل مع الوباء نسبة لحالة بقائه لعشرة أيّام.

سنرمز للقيمة المقبولة لسرعة الانتشار بـ R، وسرعة الانتشار الناتجة عن تطبيق خيار الحظر رقم n بـ Rn

لنتذكر هنا أنّنا لا نضع حداً أعلى، لكن هذه القيمة المقبولة تؤدي لتحديد مدى انحناء المنحني وبالتالي تساعدنا على المقارنة بين المعايير المختلفة، وفي النهاية قد لا يتوفّر أي خيار بين الخيارات المتاحة يحقق القيمة المقبولة لأي معيار ونضطر إلى اعتماد “أفضل الخيارات السيئة”. طبعاً الحد الأدنى لعدد الحالات شديدة الأعراض المتوقع هو 0.

القيمة المقبولة للناتج القومي الإجمالي تختلف باختلاف ظروف كل بلد، يمكن استسهال القول أنها تكون بعدم تغير المؤشر الاقتصادي، أي عدم تغير الناتج القومي عن السنة السابقة، لكن هذا قد يعتبر شيئاً جيداً جداً بالنسبة لدولة مثل الصين، وسيئاً جداً لدولة مثل سورية خارجة من حرب أهلية وتعاني من عقوبات واقتصادها منهك وبحاجة ملحة لتحقيق نمو اقتصادي.

تحديد هذه القيمة إذاً يبنى على راسمي السياسة الاقتصادية وأصحاب القرار، ويجب أن تكون أهمية هذه القيمة بالنسبة للاقتصاد بنفس أهمية عدم تخطي قدرة القطاع الصحي للحالات الشديدة في المعيار الصحي. سنرمز لقيمة الناتج القومي المقبولة بـ G. الناتج القومي الحاصل في ظل تطبيق خيار الحظر رقم n سنرمز له بــ Gn.

أيضاً الحد الأدنى للناتج القومي هو 0.

تصبح المعادلة الآن بسيطة لتحديد قيمة أفضلية تطبيق خيار الحظر n وسنرمز لها بالرمز On:

إذا الخطوات للوصول إلى الخيار الأمثل بسيطة جداً، نعوض سرعة الانتشار المقبولة R وقيمة الناتج القومي المقبول G بالقيم التي نحسبها بناءً على دراسات إحصائية، وهي عملية ليست سهلة جداً ولكن ممكنة، ثم قيمة الناتج القومي في ظل تطبيق خيار الحظر n وهي Gn، وسرعة الانتشار عند تطبيق خيار الحظر n وهي Rn، وهي أيضاً قابلة للتقدير بناءً على علم الإحصاء والمحاكاة الحاسوبية.

بالنهاية الخيار الذي يعطينا قيمة On أعلى هو خيارنا المرتجى.

قد تسألوني، هل أتوقع تطبيق الفرق المعنية بالتصدي لانتشار المرض في الدول المختلفة لهذه الطريقة؟ الجواب إذا كانت تعتمد بشكل كامل على العلم، نعم، طبعاً مع إمكانية التطوير وإدخال معايير أخرى للمقارنة. أما إذا تدخلت السياسة بالقرار فالجواب هو، لا! لأن السياسي تهمه شعبيته أكثر من أخذ الخيار الصحيح، وقد لا يتقبل الشعب الخيار المبني على أسس علمية فوراً فنعود لنفس الدوامة، حظر يؤدي لأزمة اقتصادية، يعقبه فك حظر يؤدي لموجة انتشار جديدة وهكذا..

نظرة إيمانية مسيحية مبسطة للتعامل مع الكوارث

   عندما خلق الله الإنسان (تطورا أو بدون تطور فلنؤجل هذا النقاش الآن) حسب النص الديني اليهودي والمسيحي والإسلامي، وضعه في الفردوس الذي جهزه بأفضل ما يمكن ليكون مناسبا لحياة الإنسان الجميلة. جمال الحياة الفردوسية لا يعني الراحة المستمرة والاستغراق في اللذة، بل كان الإنسان في الفردوس يعمل بالحراثة والزراعة وعليه مسؤولية حماية الطبيعة حوله، وله أيضا السلطة عليها التي تترافق مع هذه المسؤولية، وكانت تقدم له الأشجار أطيب وأجمل الثمار (التي بما يثير التأمل لم تكن مرتبطة بعمله وتعبه في الحراثة).

   سقوط الإنسان في الخطيئة ورفضه سماع النصيحة الإلهية أدى لفقدانه الحالة الفردوسية، وهي “حالة” وليست مكاناً جغرافياً، وليست السماء كما يعتقد البعض، فحسب الشروحات المسيحية وجزء لا بأس به من التفاسير الإسلامية، الفردوس لم يكن في السماء بل على الأرض.

   تغيرت حالة الإنسان ووضعه بعد السقوط (أي السقوط في الخطيئة)، صار طعامه مقترنا بتعبه وشقائه، صارت الطبيعة تعاند الإنسان في مساعيه، صار كل ما حوله يسبب له الألم، لأن بالسقوط تم فقدان الانسجام بين الإنسان وخالق الطبيعة. لم يعد الإنسان يستمع لضميره، أي لصوت الإله وتعاليمه، وصار يخرب بالطبيعة بدل أن يرعاها ويحميها، وبالمقابل ولهذا السبب، صار يجد أن الطبيعة التي تعمل حسب القوانين التي وضعها لها الله تعانده في كل ما يعمل.

   المسيح ربّنا حين تجسد على الأرض، رضي أن يختبر كل أنواع الآلام البشرية الجسدية والنفسية على خشبة الصليب، حتى الموت، مع أنه بلا خطيئة، لينتصر عليها بما أنه إله، ويقوم من بيت الأموات ويعطينا علامة انتصاره على الموت وعلى كل ألم. حيث أن كل ألم بشري مرتبط بالموت، فإشارات الألم العصبية هي تنبيهات لوجود مرض أو خلل قد يؤدي للموت في حال عدم الانتباه له، وكذلك كل خوف وغضب ونفور وكل شوق وحاجة ورغبة مرتبط بمحاولة اتقاء الموت، فإذا تم غلب الموت بالقيامة لا يعود هناك معنى لأي ألم.

   المسيحي عندما يخرج من جرن المعمودية يكون بالحالة الفردوسية، أي يعود لحالة الاتفاق والانسجام مع المشيئة الإلهية، هذا لا يعني أنه لن يعاني أي ألم، حتى لو لم يرتكب أية خطيئة. المسيح بقيامته لم يلغ الألم والمرض والكوارث عن الأرض، بل جعل الحياة البشرية وحتى الألم الذي شاركنا به، وبأقصى درجة، على خشبة الصليب، حاملا لنور القيامة.

   تنبأ لنا السيد المسيح بمجيء الكثير من الكوارث والحروب والأوبئة، ولم يستثن منها المؤمنين به، بل على العكس تماما بشّر المؤمنين خصوصا، بعذابات واضطهادات وآلام متنوعة. لم أكتب كلمة “بشّر” بسبب من ضعف قدرتي البلاغية، بل لأن كل هذه الآلام تحمل معنى القيامة، ولهذا السبب عندما كانت العذابات والتهديدات تفرض على الشهداء ومهما سببت لهم من آلام، لم يكونوا يهابون ولم يفقدوا إيمانهم ورجاءهم وقوتهم.

   حياة المسيحي على الأرض يفترض أن تنعم بالفرح والسلام إذا حافظ على بره وإيمانه، وفي أغلب الأوقات سيشعر بأن الطبيعة تساعده وتعمل معه لتحقيق مقاصده الخيرة. ولكن أيضاً قد يمر بتجارب ألم ومرض مختلفة، وعندما يكون قوي الإيمان سيبقى وحتى في الألم يشعر بنور القيامة.

   إذاً كيف نجابه المرض أو احتمال المرض إيمانياً؟ هل نتوقع ألا نمرض لأنا مؤمنون؟ أو نتوقع عجيبة فائقة للطبيعة تلغي المرض أو مفاعيله؟ ليس من الإيمان المسيحي كما وجدنا توقع عدم المرض، والأعجوبة عندما تحدث فهي بحسب مشيئة الله وحكمته التي قد تبقى غائبة عنا.

   هل إذاً نتخلى عن الإيمان ونعتبره دون فائدة؟

   لا، لأن الإيمان يجعلنا نعلم ونفهم أن كل ما قد يحدث لنا منسجم مع مشيئة الله وقصده الخير، سواء مرضنا أم لا، ويفترض بالمؤمن أن يكون مختبِرا عناية الله ومحبته له من خلال حياته، وفي حال أصبنا بالمرض والألم المرضي أو فقدان أحبتنا، نبقى ملتمسين لنور القيامة دائما وأبدا.

   الإيمان لا يتناقض مع عمل الخير، سوى في أذهان الكسولين، فعندما كان الإنسان في الفردوس متمتعا بأفضل وأشهى ثمار الأشجار مجانا، لم يجعله ذلك يتقاعس عن العمل في حراثة الأرض وحماية الطبيعة “ليحرثها ويحرسها”، خدمة له وللآخرين وللطبيعة التي اؤتمن عليها.

    لذلك الإيمان لا يمنعنا، بل يحثنا على عمل الواجب والممكن للتصدي للمرض ومحاولة وقف نشر العدوى وتخفيف الآثار السلبية أيا كانت على الجميع، فإذ ذاك نكون في الحالة الفردوسية ونقوم بأداء عملنا الذي أوكلنا الله فيه، وهو حراثة وحراسة الأرض، أي العناية بها وحمايتها، وفي حال تهاوننا نكون على العكس مقاومين ومعاندين لمشيئة الله ومحبته.

لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأقدامها وتلتفت فتمزقكم

يقول السيد المسيح هذا الكلام الصادم لأوّل وهلة ضمن موعظته الشهيرة التي تسمى بالموعظة على الجبل والواردة في إنجيل متى الاصحاحات 5، 6، 7. وهذا مباشرة بعد كلامه عن ضروره عدم إدانة الآخرين «لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك؟ يا مرائي، أخرج أولا الخشبة من عينك، وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك!» (متى 7: 1 – 5)

فإذا كان المسيح يعلمنا بألا ندين أحد ونحكم عليه، وأرسل تلاميذه لتبشير كل العالم، وطلب من المسيحيين أن يكونوا شهوداً له أمام كل الناس، فكيف يتوقع منا أن نحكم على البعض بأنّهم كلاب وخنازير وأن نمنع عن من لا يعجبنا ما نعتبره قدسات ودرر؟ أو أن نخاف من من قد يقوم “بتمزيقنا” فيما أنّ الرسل المبشرين وشهداء المسيحيين عبر تاريخ طويل تحدوا كل الصعاب ولم يثنهم عذاب أو اضطهاد عن التبشير؟

واليوم هذا الكلام يبدو مستغرباً أكثر مع انتشار الإنترنت والإعلام الفضائي، فالصلوات والتعاليم المسيحية والفن الكنسي كلّها متاحة للجميع وبالمجان، فهل يجب أن نقنّن الإعلام ديني الطابع ونمنع وصوله لغير المسيحيين أو من لا نراه جدير به؟

أعتقد أنّ هذه الوصيّة لا تتعلق بالمادة نفسها التي يمكن أن تقدّمها الكنيسة أو المؤمنون سواء كانت فناً كنسياً أم تعليماً، ولا بمن تقدّم له، بل تتعلق بالهدف من تقديمها والطريقة.

الكلب هو حيوان دجّنه الإنسان ليقوم بخدمته في الحراسة ومهاجمة اللّصوص، لذلك يبدو معنى إعطاء القدسات للكلاب هو جعل الإيمان والتعليم مادةً للجدال والهجوم على معتقدات الآخرين أو الدفاع عن المعتقدات المسيحية بأسلوب المخاصمة، وهذه كلّها أمور غير مفيدة ومختلفة عن التبشير الذي يعني حمل البشرى السارة لجميع الناس. الرّسل حين بشّروا سواء اليهود أو الوثنيين لم يستعملوا أسلوب السّخرية أو نقد إيمان الآخرين بل على العكس قالوا أنّ يسوع المسيح هو من تنبأ عنه كلّ الأنبياء اليهود وهو من يبحث عنه الفلاسفة الوثنيون من زمن طويل، لذلك سمّى يوحنا الإنجيلي الابن لوغوس (بشارة يوحنا الاصحاح 1)، وقال بولس الرسول للوثنيين أن الإله الذي تتقونه وأنتم تجهلونه هو الذي أبشركم به (أعمال الرسل 17: 23). وبالحقيقة لا نجد نتيجة مجدية من طرح الإيمان بطريقة الجدال والمخاصمة والسخرية من الاعتقادات غير المسيحية أو من آراء مسيحيين آخرين، فهذا بالنتيجة لن يولّد سوى معاندة ورد فعل مقابل «تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزّقكم».

أمّا الخنازير فهي حيوانات شرهة تأكل أي شيء دون تمييز ولا تعير اهتماماً لقيمة وجودة ماتأكله، لذلك إعطاء الدرر للخنازير يكون عندما نقدّم الفن الكنسي لمن لا يهمهم محتواه الروحي العميق، ولا ينظرون إلّا إلى الشكل الخارجي، من لحن أو ألوان أو تصاميم أو بلاغة، وعندما يكون نشر هذا الفن بداعي المفاخرة أو التكسّب المادي، وعندها لن يدرك المتلقي قيمته الروحية العميقة.

هذا أيضاً من شأنه أن يضر بالمؤمنين حقيقة لأنّه قد يجعلهم يفكرون بالشكل الخارجي وبما يجلبه لهم الفن الكنسي المنشور من مفاخرة وربّما دخل مادي ويهملون الجوهر. وجوهر الفن الكنسي هو الصلاة ولا شيء غير الصلاة. الفكرة نفسها تنطبق عند تقديم اللاهوت المسيحي على أنّه مجرد فكر فلسفي أو تقديم التعاليم الروحية على أنّها تعاليم أخلاقية بسيطة أو محفّزات على النجاح الوقتي.

أحياناً للأسف ينجر الكهنة أو المسؤولون عن الكنائس والمرتلون لمثل هذه التصرفات ومع المؤمنين الذين يرتادون هذه الكنائس قبل غيرهم، فتتحوّل الصلوات خصوصاً في الأعياد إلى استعراضات موسيقية ومسرحيّة وزينة مبالغ بها. يقول البعض أن هذه الأمور ضرورية أحياناً لجذب المؤمنين، وربما يكون معهم حق أحياناً، ولكن هناك ناحية سلبية جداً يجب الانتباه لها، وهي أنّها تضيع على المؤمنين طريق الفرح الحقيقي النّابع من التوبة والصوم والصلاة، فينتهي العيد والمؤمن يشعر بإحباط كبير لا يعرف سببه رغم أنّه حضر كل الطقوس المسرحية واشترى أغلى الزينة والهدايا والثياب، غير مدرك أن فرح العيد الحقيقي يصدر من مكان آخر، من داخل الإنسان نحو الخارج وليس بالعكس.

المسيح ولد في مغارة، بحضور عدد قليل جداً من الناس، دون أية مظاهر مبهرة، بل على العكس كانت ولادته أقل من ولادة أبسط الفقراء، وقام أيضاً من مغارة القبر حيث لم يكن أحد حاضراً، والمغارة ترمز بالحالتين إلى عمق القلب، حيث يولد المسيح ويقوم، أمّا نتائج ولادته وقيامته فعمّت العالم أجمع وغيّرت التاريخ، لأن المؤمنين ذاقوا الميلاد والقيامة قي قلوبهم فانعكست على أفعالهم وبشروا بالفرح الذي ذاقوه العالم أجمع.

أين الله وأنا أتألّم؟ جواب اللّصّين

قد لا يعرف البعض أنّ المسيح حين صلب حسب رواية الكتاب المقدّس لم يكن وحيداً، إنّما صُلب معه لصّان مدانان، واحدٌ عن يمينه والآخر عن يساره. ينفرد القدّيس لوقا الإنجيلي برواية حديث جرى بين المسيح واللّصّين، ربّما قد سمعه لوقا من سيدتنا العذراء:

كان واحد من المذنبين المعلقين يجدّف عليه قائلا: «إن كنت أنت المسيح، فخلّص نفسك وإيانا!» فأجاب الآخر وانتهره قائلا: «أولا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟ أما نحن فبعدلٍ، لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محلّه». ثم قال ليسوع: «اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك». فقال له يسوع: «الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس».” (لوقا 23 : 39-43 )

وفي إحدى الصلوات يعلّق كاتب التسابيح قائلاً: “لقد ظهر صليبك ميزان عدلٍ بين لصّين، أما الواحد فقد أحدره ثقل التجديف نحو الجحيم، وأما الآخر فقد رُفع من الزلّات إلى معرفة التكلّم في اللاهوت” (من صلاة السّاعة التّاسعة)

أين الله وأنا أتألّم؟ سؤالٌ مشروع جداً، ولكن كلّ من اللّصّين أجاب عليه بطريقة مختلفة تماماً، بالنسبة للأوّل، لو كان الله له وجود وكان متجسّداً فعلاً في شخص هذا الرجل المصلوب إلى جانبي لكان خلّص نفسه وخلّصنا … من الصّلب، أمّا الجواب بالنسبة للثاني فكان، أين الله؟ ماذا دهاكم؟ إنّه هنا بجانبي، “إنّه عن يميني لكي لا أتزعزع، لذلك سرّ قلبي وتهلّل لساني، حتّى جسدي أيضاً سيسكن على رجاء” (مزمور 16 : 8 – 11)، هو يشاركني آلامي عينها، صحيح أنّي أتألّم، لكن بعدل حكمته، أمّا هو فبدون ذنب، بظلم شرّ البشر، وسينتصر على العذاب وعلى الموت بالقيامة، فلأطلب منه أن ولو أن يذكرني حينما يأتي بملكوته لأني غير مستحق لما هو أكثر. فحصل اللّصّ على الجواب فوراً، “اليوم تكون معي في الفردوس!”. المسيح وفي ذروة آلامه أعطى أعظم رجاء ممكن لهذا اللّص، وحول ألمه إلى فرح عظيم.

كلام اللّصّ الأوّل منطقي، ويمكن لنا أن نبرّره منطقياً. الله القادر على كل شيء حسب ما يقوله رجال الدّين، والمحبّ ومصدر كل خير أيضاً، كيف يرضى بعذاب البشر؟ لكن لننتبه أنّها فرضية مبنية على الكبرياء، فهذا اللّصّ ينسى هنا وهو تحت العقاب أنّه لصّ، وينسى ما قد يكون قد تسببه بعذاب لكثيرين، ولا يفكّر إلّا بالألم الوقتي، ويتبنى رأي الجماهير التي كانت تجدّف على المصلوب وتسخر منه. أمّا اللّصّ الآخر فقد انطلق من تواضعه ولم ينظر إلّا إلى خطاياه الشخصية وتاب عنها.

بسبب تواضعه وبكلمات بسيطة جدّاً يفسّر لنا لاهوت الصّليب كلّه، الموضوع الذي شغل كبار الفلاسفة الداعين أنفسهم لاهوتيين عبر التاريخ ولم يستطيعوا فهمه وتفسيره، وأعطوا نظريات غريبة عجيبة وهرطوقية، فيما أنّهم لو تواضعوا وقرأوا كلمات اللص المكتوبة في الكتاب المقدّس لفهموا كلّ شيء. المسيح قد شاركنا عذاباتنا وآلامنا كلّها مع أنّه بدون أيّة خطيئة، وإن كان بآلامه لم يلغ الألم وعذاب البشر على الأرض لكنّه يعطي للمتواضعين والصّابرين والمؤمنين به رجاء القيامة فيتحوّل عذابهم إلى فرح عظيم.

اليوم تذكار صلب المسيح، ومن يؤمن بأن المسيح حمل آلامنا وعذاباتنا على الصليب يضع نفسه مكان أحد اللّصين، فالكل قد أخطأ، وهناك من يتواضع ويتوب وهناك من ينسى خطأه. من يتوب يشارك المسيح في قيامته مثلما شاركنا هو في آلامنا.

إنّني قد أخطأت يا ربّ مثل اللّص فاذكرني متى جئت في ملكوتك.

نقاش لطرح قدس الأب رمزي جريج حول دور العذراء مريم في المسيحية

   ضمن برنامج اسمه “مهم تكون مسيحي؟” يبث على محطتي إل بي سي LBC وسات 7 Sat7 يقدمه، أو بالحري المتحدث الأساسي فيه يكون دائماً قدس الأب رمزي جريج اللعازري، عرضت حلقة حول والدة الإله العذراء مريم، بثّت على اليوتيوب بتاريخ 27 كانون الأول 2017، وأثارت هذه الحلقة الكثير من الجدل والمشادة حين اعتبر كثيرون أن ما قال الأب رمزي يقلل من احترام سيدتنا مريم والدة الإله ويقلل من شأنها ودورها في المسيحية. متابعة القراءة

دليل من الفيزياء النّظرية بأن لله وجود

    ينطلق هذا البحث من مسألة التوأمين الشهيرة التي طرحها ألبرت آينشتاين مسألةً فكريةً يناقش من خلالها نظرية النسبية الخاصة، ويتصدى البحث للحلول غير الكاملة بعد لتلك المسألة ويحاول تقديم حل صحيح وكامل لها، يتضمن فكرة إمكانية المعرفة ودور دارس التجربة على النتيجة، وأيضاً فكرة تأثير المستقبل على الماضي. بعدها يناقش البحث النسخة الدورانية من المسألة وعلاقة الحل بالمنطق البشري الذي يحاول إعادة قوانين الطبيعة إلى قوانين أكثر بساطة واتساقاً، والذي يصل بالإنسان إلى افتراض علة أولى بسيطة واحدة للكون. متابعة القراءة

هل التعليم الديني للأطفال ضرورة لتعليمهم الأخلاق؟

كل فترة في سورية تتصاعد المطالبات من قبل مثقفين من أجل حذف مادة التربية الدينية من المدارس في سورية، واليوم تتسلح هذه المطالبات بفكرة جديدة، وهي أن التعليم الديني في المدارس هو السبب الرئيسي في ما وصلنا إليه من حرب أهلية ودمار كان السبب المباشر لها ثورة مسلحة قامت باسم الدين.

سبق أن ناقشت موضوع التعليم الديني في المدارس في تدوينة في هذه المدونة، ولكن اليوم سأناقش الموضوع بطريقة أوسع، ليس فقط موضوع تعليم الدين في المدارس، بل ضرورة أو عدم ضرورة تعليم الدين للأطفال، وأيضاً استقراء علمي واقعي حول مسببات الأزمة السورية وهل كان لتعليم الدين في المدارس أو غير المدارس دور فيها أم لا. متابعة القراءة

كتاب جديد في علم الموسيقى أنشره على المدونة مجاناً

اسم الكتاب “نظرية في الموسيقى الكنسية البيزنطية” يمكن تحميله مباشرة من هذا الرابط

عنوان الكتاب يوحي بأنه متخصص في مجال موسيقي محدد، وهو كذلك، ولكن ومع ذلك محتواه ينطبق على الموسيقى كلها، فالموسيقى لغة عالمية، ولا اختلاف جوهري بين كل أي نوعين من أنواع الموسيقى في العالم، ولكن جاء العنوان كذلك، وجزء من المحتوى، لأسباب أوضحتها ضمن مقدمة الكتاب.

هذا الكتاب هو أول محاولة جريئة لنقل علم الموسيقى من علم مازال متخلفاً عن كل العلوم الأخرى، وفي بدايات القرن الواحد والعشرين يعتمد على أفكار ونظريات غيبية لا تدعمها التجربة بل تناقضها في الكثير من الأحيان، ويتجنب طرح الأسئلة الحقيقية، مثل ما هي الموسيقى ولماذا تؤثر فينا، ولماذا يكون اللحن هذا حزيناً وذاك فرحاً، ولماذا يختلف تأثُّرنا بالأنغام المختلفة، إلى علم حديث بكل معنى الكلمة مثل العلوم الحديثة كالفيزياء والكيمياء، يطرح نظريات تدعمها التجربة قادرة على الإجابة عن معظم الأسئلة الهامة في هذا المجال.

الكتاب أنشره مجاناً وبشكل رقمي فقط مبدئياً بسبب صعوبات واجهتني في نشره مطبوعاً، ولكن المجانية لا تعني عدم الاحتفاظ بالحقوق فلا يجوز نسخ الكتاب أو جزء منه بما يتخطى الاقتباس بأي طريقة نشر، مجاناً أو لقاء ثمن، والحقوق محفوظة وفق القانون الإنكليزي في المملكة المتحدة وفي جميع الدول الداخلة ضمن اتفاقيات حماية الملكية الفكرية.

هل الله في المسيحية ثلاثة أقانيم، وجوه أم أشخاص؟

جرى النقاش أدناه بيني وبين السيد نجيب جورج عوض، البروفيسور المساعد في اختصاص اللاهوت المسيحي ومدير مشروع الدكتوراه في جامعة هارتفورد سيميناري Hartford Seminary، ضمن المراسلات الخاصة على الإنترنت، وأنشره كما هو بعد أن أخذت إذنه لأني وجدت في محتوى النقاش ملخصاً جيداً لموضوع استخدام المصطلح العربي لوصف الثالوث المسيحي المقدّس.

متابعة القراءة

نظرية المحاسبة، هل تستحق منا إعادة النظر؟

اليوم ارتكبت ما قد يعتبره البعض خطيئة مميتة لا غفران لها، فيما أنا راض تماما عما عملته، وهو أني تكلمت أمام مجموعة من المختصين والعاملين بالمحاسبة قائلا بأن المحاسبة يجب تعليمها في المدارس ومن المرحلة الإعدادية! ويمكن تخيل ما قد يسببه طرح هذه الفكرة من انزعاج كردة فعل أولية.
 
في ما قلته لا أقصد المحاسبة بشكلها الحالي ومصطلحاتها المنفرة، بل بعد إعادة صياغتها (دون تغيير جوهري) لتستعمل المصطلحات والمفاهيم التي يألفها معظم الناس ويعرفون مدلولاتها الواضحة، وفي الواقع هذا هو الجانب النظري لعملي المهني في تطوير برامج كومبيوتر محاسبية والذي لي فيه أكثر من ثماني سنوات، أقصد إعادة صياغة المحاسبة لتكون أقرب للبداهة البشرية.

متابعة القراءة